فخر الدين الرازي

512

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

في ذلك الوقت أقصى ما في الباب أنه كان في علم اللَّه أنه سيحكم بحله بعد ذلك إلا أن هذا لا يقدح في كونه حراماً في ذلك الوقت . فإن قالوا : إن كونه بحيث سيصير حلالًا بعد ذلك يوجب تخفيف العقاب . قلنا : فإذا كان الأمر كذلك امتنع إنزال العقاب بسببه ، وذلك يمنع من التخويف بسبب ذلك العقاب . القول الثاني : قال محمد بن إسحاق : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ إني لا أعذب إلا بعد النهي لعذبتكم فيما صنعتم ، وأنه تعالى ما نهاهم عن أخذ الفداء ، وهذا أيضاً ضعيف لأنا نقول حاصل هذا القول أنه ما وجد دليل شرعي يوجب حرمة ذلك الفداء ، فهل حصل دليل عقلي يقتضي حرمته أم لا ؟ فإن قلنا حصل ، فيكون اللَّه تعالى قد بين تحريمه بواسطة ذلك الدليل العقلي ، ولا يمكن أن يقال إنه تعالى لم يبين تلك الحرمة ، وإن قلنا : إنه ليس في العقل ولا في الشرع ما يقتضي المنع ، فحينئذ امتنع أن يكون المنع حاصلًا ، وإلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ، وإذا لم يكن المنع حاصلًا كان الإذن حاصلًا ، وإذا كان الإذن حاصلًا ، فكيف يمكن ترتيب العقاب على فعله ؟ القول الثالث : قال قوم قد سبق حكم اللَّه بأنه لا يعذب أحداً ممن شهد بدراً مع النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا أيضاً مشكل لأنه يقتضي أن يقال : إنهم ما منعوا عن الكفر والمعاصي والزنا / والخمر وما هددوا بترتيب العقاب على هذه القبائح ، وذلك يوجب سقوط التكاليف عنهم ولا يقوله عاقل . وأيضاً فلو صاروا كذلك ، فكيف آخذهم اللَّه تعالى في ذلك الموضع بعينه في تلك الواقعة بعينها ، وكيف وجه عليهم هذا العقاب القوي ؟ والقول الرابع : لولا كتاب من اللَّه سبق في أن من أتى ذنباً بجهالة ، فإنه لا يؤاخذه به لمسهم العذاب ، وهذا من جنس ما سبق . واعلم أن الناس قد أكثروا فيه ، والمعتمد في هذا الباب أن نقول : أما على قولنا : فنقول : يجوز أن يعفو اللَّه عن الكبائر . فقوله : لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ معناه لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم ، وهذا هو المراد من قوله : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 54 ] ومن قوله : « سبقت رحمتي غضبي » وأما على قول المعتزلة فهم لا يجوزون العفو عن الكبائر ، فكان معناه لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أن من احترز عن الكبائر صارت صغائره مغفورة وإلا لمسهم عذاب عظيم ، وهذا الحكم وإن كان ثابتاً في حق جميع المسلمين ، إلا أن طاعات أهل بدر كانت عظيمة وهو قبولهم الإسلام ، وانقيادهم لمحمد صَلَّى اللّه عليه وسلّم ، وإقدامهم على مقاتلة الكفار من غير سلاح وأهبة فلا يبعد أن يقال : إن الثواب الذي استحقوه على هذه الطاعات كان أزيد من العقاب الذي استحقوه على هذا الذنب ، فلا جرم صار هذا الذنب مغفوراً ، ولو قدرنا صدور هذا الذنب من سائر المسلمين لما صار مغفوراً ، فبسبب هذا القدر من التفاوت حصل لأهل بدر هذا الاختصاص . ثم قال تعالى : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً روي أنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها ، فنزلت هذه الآية . وقيل هو إباحة الفداء . فإن قيل : ما معنى الفاء في قوله : فَكُلُوا . قلنا التقدير : قد أبحت لكم الغنائم فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا نصب على الحال من المغنوم أو صفة للمصدر ، أي أكلًا حلالًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ والمعنى : واتقوا اللَّه فلا تقدموا على المعاصي بعد